لعبت الزيارة الأربعينية، دوراً كبيراً في التقارب الاجتماعي بين الناس من مختلف القوميات وكان لها دور محوري في التآخي بين شعوب مختلفة، ولها من المضامين ما يجعلها منارة للناس في العطاء والكرم والجود.
تمثل الزيارة الأربعينية التي تقام كل عام في العراق، لمدة تزيد عن عشرين يومًا، من مطلع شهر صفر حتى ثلثه الأخير، أيقونةً للكرم والعطاء والسخاء، ليس فقط من قبل مضيفي العراق، بل ومن يشاركهم الأجواء من مختلف دول العالم.
حيث يسخّر كلٌّ منهم ما ادّخره من أموال وطاقات وأبناء، وحتى دورهم وحسينياتهم وغيرها، في خدمة الإمام الحسين (ع) وزوّاره الأبرار.
قال الله عزوجل في محكم كتابه (لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تنفِقُواْ مِمَّا تحِبُّونَ).
أي إنّ شرط الوصول إلى (البِرّ)، وهي الصفة التي نالها المخلصون والصالحون من عباد الله، هو إنفاق المرء مما يحب من أمواله وجهده، الأمر الذي ليس بالسهل اليسير لكل شخص.
ويتطلب منه الإيمان العميق والتجرّد من ملذّات الدنيا.
وهذا المصداق يتحقّق بكل شفافية ووضوح، في لوحة إبداعية في الزيارة الأربعينية، حيث يكرِم المُضيف الزائر في بيته من دون معرفةٍ مسبقةٍ به. أو اهتمامٍ بتوجهاته الفكرية أو المذهبية، ومجرد أنه من (زوار الإمام الحسين ع)، يكون ضمن المخوّلين بدخول داره، والمشمُولين بأعلى درجات الكرم والعطاء من المضيف.
البعد المعنوي للزيارة الأربعينية
كما وقال الله في كتابه الحكيم: (وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ)،أي أن هذا الإنفاق في سبيل الله محفوظٌ عند الله، لا يضيع، بل يؤجر المنفق عليه أضعافًا مضاعفة، في الدنيا قبل الآخرة.
بل إنّ المتصدّين لهذه الخدمة يؤكّدون أنهم لمسوا ذلك بأنفسهم، من خلال الزيادة والنماء في أرزاقهم عامًا بعد عام.
البعد الرقمي للزيارة
إذا أردنا أن نتناول الجانب الرقمي من هذه الزيارة المليونية، فقد أشارت المصادر شبه الرسمية أن حوالي 80% من العدد الإجمالي للزوار هم من أهل العراق، وهو ما يدل على الحضور الشعبي الكبير للعراقيين فيها.
وما يعزز ذلك، أن بنسبة تتراوح بين 37% – 42% من الشعب العراقي يشارك في هذه الزيارة.
ما يشير إلى أنها لا تقتصر على قومية أو شريحة معينة من المجتمع العراقي، بل شملت كافة المذاهب والأطياف، وجعلت المجتمعات كافة، اجتماع موحد بهدف الوصول للحسين (ع) في هذه الزيارة.
كما أشارت هذه الإحصاءات إلى أن عدد المواكب المسجّلة على طرق الزيارة بلغ حوالي 13 ألف موكب. ومن ضمنها 250 موكبًا غير عراقي (أي 2% من الإجمالي).
وهذا العدد الكبير من المواكب كان له القدرة على إطعام وتهيئة وسائل الراحة لأكثر من 25 مليون زائر في السنة الماضية.
البعد الشعبي للزيارة
كان ولا يزال العلماء يؤكّدون على ضرورة بقاء الزيارة على طابعها الشعبي، بعيدةً عن المأسسة والتنظيم الرسمي.
فقوة هذه الزيارة أنها تقام وتدار من خلال الحراك الشعبي والعمل التطوعي في العراق والعالم.
وهنا يتجلّى دور الشعائر الحسينية التي تترجم في قلوب الناس، وتجعلهم مندكّين ومتمسّكين بالدين الحنيف.
قال الله في محكم كتابه: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
كما تظهر في الزيارة، روح الفريق الواحد، وكيفية العمل الجماعي في إدارة هذا التجمّع البشري، وهي خير مثال للرواية الكريمة: (يدُ اللَّهِ مع الجماعَةِ).
البعد القيمي للزيارة
فيما يلاحظ أنّ هناك تغذية أخلاقية وإنسانية للمجتمع في هذه الزيارة، حيث يكون أغلب الزوار في أعلى درجات الإيمان والأخوة مع بعضهم، ويتعاون كلٌّ منهم على خدمة الآخر.
وهي خير مثالٍ للإخوة الإيمانية التي يدافع فيها الأخ عن أخيه، وينظر كلٌّ منهم إلى الآخر بعين الرحمة، ويتسابق معه لخدمة الزوار وقضاء حوائجهم.
قال الله عزوجل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). وفي منهج الحسين (ع) تتجلى روح التعاون المشترك والتنافس الشريف والتسابق على الخيرات والبركات.
دور العلماء في إحياء الزيارة الأربعينية
وبكل تأكيد، لا يمكن نكران دور العلماء والفقهاء في التثقيف المستمر على مدار السنوات لإحياء الزيارة الأربعينية والمشاركة الواسعة فيها.
حيث إنهم كانوا روّادها ومؤسسيها، وقد ضحّى الكثير منهم، من خلال تحمّل الإعدامات والسجون، بهدف إقامة هذه الشعيرة المباركة.
وهذا ما اوصانا به الكتاب المبين، في إتباع العلماء والسير على الطريق الذي يرسموه لنا، حيث بين الباري عزوجل في كتابه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
زوال العناوين في خدمة الحسين (ع)
كلّ ما تقدم، كوّن عند الناس رأيًا عامًا وعقلًا جمعيًا بأنّ الجميع سواسية عند باب الحسين (ع)، فالصغير والكبير، والغني والفقير، والعاصي والمتّقي..، يتجرّدون عن صفاتهم وأنسابهم ومكانتهم الاجتماعية، ليصبحوا تحت عنوان (خادم الحسين ع).
وهذا المنظر يذكّر الناظر بشعيرة الحج المباركة، حيث الجميع يرتدون ملبسًا واحدًا، متجردين عن ملذّات الدنيا، ومتجهين نحو عبادة الباري عزّ وجل، في مكان ووقت واحد، وهم يشعرون بلذّة الذلّ في سبيل الله تعالى. فعنوان الحسين هو أعلى من الجميع، ويتشرّف كلّ وجيهٍ بالانتساب له، والخدمة تحت مظلته.
الدبلوماسية الاجتماعية
وكان لمشاركة مختلف القوميات من مختلف البلدان في هذه الزيارة على مرّ السنوات، دورٌ كبيرٌ في تذويب أو تصفير الخلافات والحساسيات المجتمعية الموجودة بين قومية وأخرى، أو بين شعوب مختلفة.
ويمكن تسمية ذلك بدور الزيارة الأربعينية في (الدبلوماسية الاجتماعية)، حيث كان لمحور التآخي والعوامل الإيجابية التي ذكرت للزيارة، دورٌ في زرع عامل المحبة بين الشعوب، ونسيان بعض الحساسيات التي كانت بينهم.
وذلك بمثابة ما يفعله الدور الدبلوماسي في العمل السياسي من تذويب للحساسيات والمشاكل بين الدول سياسيًا، عن طريق الحوار والاعتدال، ولكن هذه المرة حصل ذلك في المجتمعات وبين الشعوب.
كل الخير في باب الحسين (ع)
إنّ الزيارة الأربعينية ليست مجرد حدثٍ سنويّ عابر، ولا مجرد شعيرة مشّاية بين المدن، بل هي مظهر جليّ وواضح لهوية المشاركين فيها، وخير مثال للإنسانية والمحبة والعطاء.
ويلاحظ في زيارة مشاهدُ في التواضع والعطاء لم ولن ترَ في مراسم ومناسبات أخرى.
وكلّ ذلك ساعد في تقريب وجهات النظر وتأليف القلوب، ليكون بمثابة عملٍ دبلوماسيّ، ولكن بطلّة مذهبية اجتماعية، يساعد على التنافس الشريف في (فوضى منظمة).
فحبّ الحسين (ع) وسيلة السعداء، والذلّ في مدرسة الحسين الدولية هو أيقونةٌ للعزّ والإباء.
وكما قال الشاعر الشعبي العراقي:
(كل الخَدم تنهان، شفناها بالعين إلّا بكرامة تعيش، خدام الحسين)