تمثل هذه الزيارة، بالنسبة للمشاركين، أكثر من مجرد طقس ديني، فهي تعبير عن التمسك بالقيم التي دعا إليها الإمام الحسين، وعلى رأسها العدالة، والكرامة، ورفض الظلم، كما تجسد معنى الإصرار الشعبي على إحياء الذاكرة الدينية والتاريخية، رغم التحديات الأمنية واللوجستية.
ذكرى استشهاد الإمام الحسين
الإمام الحسين، سبط النبي محمد وابن علي بن ابي طالب وفاطمة الزهراء قاد ثورة إصلاحية ضد الانحراف السياسي والديني الذي كان يهدد الأمة.
في العاشر من محرم عام 61 هـ، وقعت معركة كربلاء التي حوصر فيها الحسين وأهل بيته وأصحابه، وقُطع عنهم الماء ثلاثة أيام.
رغم قلة العدد وندرة العتاد، وقف الحسين وأصحابه في وجه طوفان الجور والطغيان، خاضوا معركة بطولية استُشهد فيها الحسين ومعظم من كانوا معه، وسُبيت نساء وأطفال أهل البيت في مشهد إنساني مأساوي يعكس وحشية الظلم.
هذه الفاجعة المروعة لم تكن نهاية بل كانت بداية لثورة روحية وأخلاقية، رسخت في الذاكرة الإنسانية مفهوم التضحية والفداء، وأعادت تعريف معنى الشهادة في سبيل المبادئ والحق. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الإمام الحسين رمزًا خالدًا للثبات على المبادئ، والرفض القاطع للظلم والظالمين.
معنى الأربعين وأصول الزيارة
في الثقافة الإسلامية، يحمل يوم الأربعين بعد الوفاة وزناً روحانياً عميقاً ، فهو اليوم الذي يكتمل فيه الحزن ويبلغ الذكر أوجه، حيث تتجسد فيه معاني الوفاء، والتذكُّر، والتواصل بين الأحياء والأموات. والأربعين ليست مجرد عدد زمني، بل محطة رمزية تختزل في طياتها عواطف لا تنضب، وتعبر عن صمود لا ينحني.
تاريخيًا، استندت زيارة الأربعين إلى أصول راسخة في السيرة النبوية والعائلية الطاهرة، حيث يُروى أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) والسيدة زينب الكبرى (عليها السلام) قد عادا إلى كربلاء بعد مرور أربعين يوماً على فاجعة الطف، ليؤديا زيارة مشحونة بالحزن والوفاء إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، معلنين بذلك بداية تقليد مقدس ارتبط بمسيرة العشق والثبات.
هكذا صار يوم الأربعين موعداً روحياً يجتمع فيه الملايين من مختلف الأقطار، مشياً على الأقدام، متجاوزين المسافات والأهوال، حاملين في أعماقهم رسالة حب لا تنتهي، ورسالة ثورة لا تتلاشى، لتتوهج كربلاء بنور الوفاء والعشق المستمر.
شعائر الأربعينية
في هذه الايام المباركة وعلى طول الطرقات، تنتشر مواكب لا تُعد ولا تُحصى، تُقدم للزائرين بسخاء لا محدود، خدمات إنسانية من قلب الرحمة، الطعام والشراب، وبيوت الإقامة، والرعاية الطبية، لتصبح هذه المواكب أسمى صورة للتكافل والتراحم بين الناس، لوحة حية تجسد أسمى معاني الأخوة والتضحية.
في كل زاوية، تُقام مجالس العزاء التي تنبعث منها أصداء الحزن والعزيمة، وترتفع الرايات السوداء، الحمراء، والخضراء، كرموز للحزن والثورة والرجاء. يحمل المشاركون صور الإمام الحسين وأصحابه، وكأنهم يحيون في القلب والروح معركة الطف، ويعيدون بها كتابة تاريخ المجد والفداء.
هكذا تتحول الطرق إلى نهر متدفق من الوفاء، حيث يسير الملايين بخطى ثابتة، لا ينالها التعب، بل تتوهج بالنور، لتُجسد أعظم شعائر الإيمان التي تروي قصص العشق اللامتناهي للإمام الحسين (عليه السلام) ولرسالة الحق التي لا تموت
الزيارة الأربعينية.. ملحمة إنسانية وروحية بأبعاد متعددة
يمتد طريق الزائرين إلى كربلاء كأنه نهر بشري لا ينقطع، حاملاً في طياته مشاهد رائعة من التآخي والإيثار، حيث يشارك الجميع، من طفل يوزع الماء إلى شاب يدلك أقدام المتعبين، في إحياء روح التضامن والمحبة. وفي ظل استنفار أمني كامل وتنسيق دقيق بين الجهات المختلفة، تؤمن القوات العراقية مرور الملايين بسلام، بينما تنتشر المراكز الطبية الميدانية لعلاج الحالات الطارئة. تغطي مئات القنوات ووكالات الأنباء الحدث ببث مباشر، ناشرةً قصص الوفاء والتضحية إلى العالم. الزيارة ليست فقط مناسبة دينية لإحياء ذكرى الإمام الحسين، بل تجسيد حي لقيم الإنسانية، وتظاهرة عالمية يشارك فيها أكثر من 80 دولة، حيث تجاوز عدد الزائرين في بعض السنوات 20 مليون، ما يجعلها أكبر تجمع سلمي سنوي في العالم.
في قلب هذه الملحمة الإنسانية، حيث تتلاقى الأرواح على درب الحسين، تتجلى أعظم معاني الإيمان والتضحية، فتتحول خطوات الزائرين إلى أنشودة خالدّة لا تنطفئ، وتصبح دماء الشهداء نبراساً يهدي الأجيال نحو الحق والحرية. إن الزيارة الأربعينية ليست مجرد مسيرة، بل هي شعلة في زمن الظلمات، رسالة أزلية تقول، لا يزال الحسين حياً في كل قلب ينبض بالعدل، ولن تنطفئ جذوة الثورة حتى تسقط كل أشكال الطغيان. وبينما تنساب دموع الوفاء على تراب كربلاء، تتعالى أصوات الملايين معلنة بصوت واحد أن إرث الحسين خالد، وأنه في كل خطوة على هذا الطريق، تُكتب أسطورة لا يقتلها الزمان، ولا تمحوها السنين.