يُعدّ حرم أبي الفضل العباس عليه السلام من أهم المزارات الدينية لدى المسلمين عامةً والشيعة خاصة، فهو يرقد في موضع استشهاده بكربلاء يوم عاشوراء سنة 61 هـ، على بُعد 300 متر فقط من حرم أخيه الإمام الحسين عليه السلام. يتميز الحرم بطراز معماري إسلامي رفيع، ويحتل مساحة تبلغ نحو 10,973 مترًا مربعًا، وتعلوه قبة شاهقة تتوسط مئذنتين مطليتين بالذهب.
شهد المرقد الشريف مراحل متعددة من البناء والإعمار منذ القرن الهجري الأول، وتحديداً منذ العصر البويهي والصفوي مرورًا بالعهد القاجاري، وصولاً إلى التشييدات والتوسعات الحديثة في القرن الخامس عشر الهجري.
العباس بن علي عليه السلام
العباس بن علي بن أبي طالب عليهما السلام (26 – 61 هـ)، وأمه السيدة أم البنين عليها السلام. يُعرف بألقاب عديدة منها أبو الفضل، قمر بني هاشم، وبطل العلقمي. كان راية الحسين في كربلاء، واستشهد دفاعًا عن أخيه وأهل بيته أثناء محاولة إيصال الماء إلى مخيّم العائلة. دُفن في المكان الذي استشهد فيه، وأُقيم على قبره المرقد المعروف اليوم بحرم العباس عليه السلام.
البدايات الأولى لبناء المرقد
لا تتوفر معلومات كثيرة عن البناء الأول، إلا أنّ الروايات تذكر وجود سقيفة فوق القبر منذ القرن الثاني الهجري، واستدلّ على ذلك من زيارة الإمام الصادق عليه السلام لقبر العباس، حيث ذكر “باب السقيفة”.
تعرّض البناء الأول لعمليات هدم، أبرزها:
هدم هارون العباسي للمرقد
ثم إعادة بنائه في عصر المأمون العباسي
ثم هدمه مرة أخرى على يد المتوكل العباسي سنة 236 هـ
العصر البويهي: البداية المعمارية الكبرى
شهد المرقد طفرة عمرانية مهمة في عهد السلطان عضد الدولة البويهي الذي شيد عمارة الروضة العباسية وبنى القبة المنوّرة سنة 371 هـ، فكان ذلك أول بناء واضح المعالم للمرقد كما نعرفه اليوم.
الإعمار الصفوي والقاجاري
في العهد الصفوي
شهد المرقد تطوراً كبيراً، إذ قام الشاه طهماسب الصفوي (1032 هـ / 1622 م) بما يلي:
تزيين القبة بالقاشاني
بناء شباك على الصندوق
تنظيم الرواق والصحن
في العهد القاجاري
شهد الحرم أعمالاً عديدة، أهمها:
تجديد الرواق والصندوق
بناء ضريح فضي جديد
توسعات عمرانية متعددة
وقد كان بناء حرم العباس يجري غالبًا بالتزامن مع أعمال البناء في حرم الإمام الحسين عليه السلام.
الهجمات التي تعرض لها الحرم
هجوم الوهابيين سنة 1216 هـ
تعرضت كربلاء للهجوم بقيادة سعود بن عبد العزيز، فهُدم جزء كبير من المرقد ونهبت خزائنه، قبل أن يعيد فتح علي شاه القاجاري إعمار ما تهدم.
قصف النظام البعثي سنة 1411 هـ
أثناء الانتفاضة الشعبانية قامت قوات النظام السابق بقصف المرقد، ممّا ألحق به أضراراً بالغة.
أجزاء الحرم العباسي الشريف
1. الضريح المقدس
الشباك المحيط بالقبر مصنوع من الذهب والفضة، وقد مرّ الضريح بعدة مراحل بناء وتجديد:
1183 هـ / 1769 م
1236 هـ (ضريح فضي جديد بأمر محمد شاه القاجاري)
1259 هـ
1385 هـ (شباك جديد بأمر السيد محسن الحكيم، استخدم فيه 2000 كغم فضة و40 كغم ذهب)
1437 هـ / 2016 م (آخر ضريح حديث صُنع في العراق على مدى خمس سنوات)
2. الأروقة
تحيط بالروضة أربعة أروقة مزينة بالقاشاني والمرايا المقطعة، يحتوي الرواق الشرقي على خمس مقابر، بينما يتصل الرواق الجنوبي بـ "طارمة الذهب" عبر ثلاثة أبواب.
3. إيوان الذهب (طارمة الذهب)
يقع في واجهة المرقد، وتبلغ مساحته 320 م²، وقد بُني بالطابوق النحاسي المطلي بالذهب، ويُعد من أجمل أجزاء الحرم.
4. القبة
ارتفاعها: 39 مترًا
قطرها: 12 مترًا
شكلها: نصف كروية مدببة الرأس
في سنة 1375 هـ / 1955 م تمت عملية تذهيب القبة باستخدام 6,418 طابوقة ذهبية.
5. المآذن
يبلغ ارتفاع المئذنتين 44 مترًا، ويكتسي نصفهما العلوي بـ 2016 صفيحة ذهبية ونصفهما السفلي بالقاشاني، وتمت صيانتهما وتذهيبهما سنة 1431 هـ.
6. الصحن
تبلغ مساحته نحو 9,300 م²، وتحيط به أربعة أواوين بثلاثة طوابق من الغرف المخصصة للدراسة والحوزات العلمية.
أبواب الصحن
أُنشئت الأبواب الحديثة سنة 1394 هـ / 1974 م، وهي:
باب القبلة
باب الإمام الحسن عليه السلام
باب الإمام الحسين عليه السلام
باب صاحب الزمان عليه السلام
باب الإمام موسى الكاظم عليه السلام
باب الإمام محمد الجواد عليه السلام
باب الإمام علي الهادي عليه السلام
باب الفرات
باب الأمير عليه السلام
الإدارة القديمة والحديثة للحرم
كانت الروضة العباسية قديمًا تابعة للروضة الحسينية، حيث ينوب خدم الحرم الحسيني بإدارة شؤونها. وتولت إدارة الحرم عائلات كربلائية معروفة مثل آل ضياء الدين، آل ثابت، آل طعمة، آل الوهاب.
أما اليوم، فللروضة إدارة مستقلة تُعرف بـ العتبة العباسية المقدسة.
الخزانة والمقتنيات
تضم الخزانة مقتنيات نادرة وثمينة، منها:
سجادات فارسية عالية القيمة
ثريات ذهبية
سيوف وأوانٍ مرصعة بالذهب والأحجار الكريمة
ساعات جدارية ذهبية
مصاحف مخطوطة بلغ عددها 109 مصحفًا
أحدها منسوب إلى خطّ الإمام علي عليه السلام
مشاهير المدفونين في الحرم
ومن أبرز العلماء المدفونين في الروضة العباسية:
علي بن زين العابدين اليزدي الحائري صاحب إلزام الناصب
الشيخ علي اليزدي البفروئي
السيد كاظم البهبهاني
السيد عبد الله الكشميري
الشيخ علي سيبويه
الشيخ كاظم الهر
وغيرهم من العلماء والأعلام.