الجواب: على العكس تمامًا. فحقيقة زيارة الأربعين أوسع بكثير من أن تُختزل في نقاش روائي فقط. إنها ظاهرة إيمانية، إنسانية، عالمية، وروحية تستحق النظر من زوايا أخرى تتجاوز النص.
1. اجتماع ملايين المؤمنين… أليس هو في ذاته عبادة؟
عندما يجتمع أكثر من عشرين مليون إنسان، من أكثر من خمسين دولة، على هدف واحد: تجديد العهد لله تعالى بالسير إلى الإمام الحسين عليه السلام، ألا يُعد هذا بحد ذاته مظهرًا من مظاهر العبادة؟
الاجتماع على عمل صالح وقضية مقدسة هو قيمة دينية أصيلة في الإسلام، فقد مدح القرآن الكريم الذين يجتمعون على البرّ والتقوى، وذمّ الذين يجتمعون على الإثم.
إذن:
هل اجتماع هذا العدد الهائل على ذكر الله والولاء لأهل البيت ليس عبادة؟
بل هو عبادة عظيمة، وشعيرة من شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
2. البذل والعطاء… مدرسة روحية لا تعادلها أي مناسبة دينية أخرى
في الأربعين لا يمشي الناس فقط، بل يتسابقون إلى:
• إطعام الزائرين مجانًا.
• إسكان الغرباء بلا مقابل.
• تقديم الخدمة من أصغر شيء إلى أعظمه.
• فتح البيوت والشوارع لخدمة الناس.
• وهب المال، والوقت، والجهد، والراحة، لأجل الله تعالى.
أليس هذا كله صدقة؟
أليس هذا إيثارًا؟
أليس هذا جهادًا بالنفس والمال في سبيل الله؟
إذن حتى لو تجاهلنا الروايات تمامًا، فمجرد هذا العطاء العجيب يجعل زيارة الأربعين واحدة من أكبر مواسم الحسنات في العالم الإسلامي.
3. المشي إلى الحسين… مجاهدة للنفس وتزكية للقلب
الإنسان يقطع 80 كيلومترًا وأكثر، في الحرّ والبرد، حافيًا أحيانًا، صابرًا، ذاكرًا، مستحضرًا قربه من الله…
هذه المجاهدة بحد ذاتها عبادة؛ لأن الإسلام اعتبر كل سفر طاعة فيه:
• نية،
• وصبر،
• وتعب،
• وتحمّل لأجل الله،
عملاً يؤجر عليه الإنسان مهما كان نوع الشعيرة.
فكيف إذا كان هذا السفر نحو ريحانة رسول الله، ونحو رمز العدالة والحق والإنسانية؟
4. الأربعين ليست نصًا فقط… إنها أثر حضاري حيّ
قد تعيش أمة من دون روايات مكتوبة، لكن لا يمكن أن تعيش من دون هوية.
وزيارة الأربعين اليوم أصبحت:
• هوية دينية،
• هوية حضارية،
• رابطًا بين ملايين الناس،
• مناسبة توحّد أتباع أهل البيت في العالم،
• مدرسة لتربية النفوس على الكرم والإيثار.
هذه القيم لا تُبنى على رواية فقط، بل تبنى على تجربة حيّة متواصلة منذ مئات السنين.
5. هل تبطل الشعيرة إذا نوقشت روايتها؟
لو أن هناك رواية مشكوكًا في سندها تتعلق بفضل الصلاة على النبي، فهل سيتوقف المسلمون عن الصلاة عليه؟
أكيد لا.
لأن القيمة الروحية والفعل الديني نفسه يملك قوة معنوية تكفي لجعله عبادة.
وهكذا زيارة الأربعين:
• حتى من دون رواية،
• ومن دون سند،
• ومن دون نصّ،
فإنها تبقى واحدة من أعظم مظاهر العبادة في الإسلام، لأنها تجمع النية + العمل الصالح + اجتماع المؤمنين + البذل + المجاهدة + ذكر الله.
6. الخلاصة
من يقول إن زيارة الأربعين “لا أصل لها”، فهو ينظر إلى الموضوع من زاوية واحدة فقط: الرواية.
لكنّ الشعائر تقوم على أكثر من نص؛ تقوم على:
• التجربة،
• التاريخ،
• آثار العمل،
• روح العبادة،
• اجتماع الأمة على البرّ،
• وتعظيم الرموز الدينية.
وبالتالي:
زيارة الأربعين ثابتة بإيمان الناس، وبأثرها، وبقيمها، وبثمارها، قبل أن تثبت بسند الرواية.