عشرون يوماً من إحياء ذكرى العزاء، وحضور من دول
حول العالم، وملايين المشاركين من ثقافات مختلفة، من بينهم مسلمون شيعة وسنة
ومسيحيون وإيزيديون وأتباع ديانات أخرى.
هذه هي أرقام زيارة الأربعين، المعروفة أيضاً
بمسيرة الأربعين أو مسيرة كربلاء.
ما يُعرَّف بأنه "أكبر تجمع سنوي في
العالم" لا يُقام في الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا أو الهند، التي
تتميز بكثافة سكانية عالية وجاذبية واسعة. بل يُقام في العراق.
كل عام، يتوافد ملايين المؤمنين إلى هذا البلد
للمشاركة في زيارة ضريح الإمام الحسين — عليه السلام كما يقول المؤمنون عند ذكر
اسمه — في كربلاء.
الضريح هو مدفن الحسين بن علي، الإمام الثالث في
الإسلام الشيعي وحفيد النبي محمد. وقد أُقيم الضريح في المكان الذي استشهد فيه
الحسين خلال معركة كربلاء عام 680 ميلادي.
وهو موقع للزيارة خلال فترة الحداد التي تمتد
أربعين يوماً منذ استشهاده، الذي وقع في اليوم العاشر — المعروف بعاشوراء — من شهر
محرم.
وهو حدث يُحيي ذكرى عودة الناجين من مأساة
عاشوراء إلى كربلاء، وكان معظمهم من النساء والأطفال.
ليست مجرد رحلة دينية
مسيرة الأربعين هي موعد طائفي ورحلة دينية وروحية
للحجاج المستعدين لاجتياز الكيلومترات الطويلة من الطريق. نحو 75 كيلومتراً للمسار
الذي ينطلق مثلاً من النجف، وحوالي 100 كيلومتر انطلاقاً من بغداد.
غير أن بعض الزوار يواجهون أيضاً مسافة 500
كيلومتر التي تفصل كربلاء عن البصرة، وصولاً إلى أكثر من 2600 كيلومتر انطلاقاً من
مشهد في إيران.
الخصوصية الاستثنائية لهذه الشعيرة تستقطب
اهتمام جميع أنواع الناس بصرف النظر عن دينهم أو طبقتهم الاجتماعية أو ثقافتهم.
في العراق، تُعدّ مسيرة الأربعين — المعروفة
أيضاً بالزيارة — طوعية تماماً، ومن يؤديها يفعل ذلك "من باب الحب"، كما
أفاد بعض الزوار.
ولا يقتصر الأمر على ذلك. فهي يوم دولي حقيقي
للتطوع خلال موسم العزاء الذي يمتد عشرين يوماً. إذ توفر الجمعيات الخيرية
والمساجد المحلية والمتطوعون والمواطنون العراقيون أنفسهم للحجاج الطعامَ والمأوى
والمشروبات والدعم الطبي والرعاية الصحية، بل وحتى مكاناً لشحن الهاتف المحمول.
تُفتح أبواب المنازل العراقية الخاصة، وتُشارَك
الموائد، وتتلاقى الثقافات تحت راية عاطفة قادرة على توحيد حتى أبعد الناس عن
بعضهم، حتى يتمكن الجميع في نهاية المطاف من الوصول إلى وجهتهم.
وفي الصفوف الأمامية أيضاً تقف السلطات العراقية،
التي تضمن أمن هذا الحدث وسير أعماله بسلاسة وتتفانى شخصياً في دعم المشاركين في
المسيرة.
تُعدّ رعاية الحجاج واجباً دينياً لدى الجميع.
ويُعتقد أن الحسين بن علي يتخطى جميع الحدود الثقافية وأنه رمز للحرية الإنسانية
والرحمة الشاملة.
روح الجماعة
وصف من أدّوا هذه الرحلة بأنها "تجربة عميقة
من التقوى والتضامن المجتمعي".
وهكذا تمتلئ الطرق المؤدية إلى كربلاء بآلاف
الخيام — المواكب — التي تُقدَّم فيها جميع أنواع الدعم للمسيرين، مجسِّدةً الوحدة
والأخوة عبر الحدود والانتماءات الفردية.
وقد تأثر هذا الحدث، الذي بات معروفاً ومحضوراً
على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، بوضوح بالهشاشة الجيوسياسية للبلاد على مر
السنين. فقد عُلِّق عدة مرات منذ عام 2003، ثم عاد يُقام باستمرار متصاعد.
وهو المثال الأوضح على الكرم والترحيب الذي يحتفظ
به الشعب العراقي لمواطنيه والسياح الأجانب وكل من يزور البلاد.
تُوصف التجربة من قِبَل من يقطعون هذا الطريق
بأنها "غير واقعية" مع "محيطات" من الناس، نساء وأطفال،
يسيرون حتى على العكازات وفي كراسي متحركة في درجات حرارة تصل إلى 50 درجة. إنها
حقاً "فعل من أفعال الحب والتضحية والإيثار والصبر والكرم اللامتناهي بين
أناس من مختلف الأعمار والجنسيات والأمم، يتعاضدون اقتصادياً وأيضاً بتقديم
التدليك أو مجرد تنظيف الشوارع".
إنها نموذج للتعددية الثقافية التي "لا تحتل
عناوين الأخبار" كما يأسف السلطات المحلية الدينية والمؤسسية كثيراً، ورمز
للتقارب والمشاركة الشخصية.
وجهة جديدة
ضريح الإمام الحسين وجهة حج تتميز بقبتها التي
يبلغ ارتفاعها قرابة 30 متراً، مكسوّة بالذهب بالكامل ومحاطة باثنتي عشرة نافذة،
وتضم نحو 65 غرفة مزيّنة تُستخدم للدراسة. وهو عجيبة معمارية حقيقية محاطة بسور
خشبي مزيّن بزجاج مُزخرف.
تصف مسيرة كربلاء بأنها "سير نحو
الجنة". وهي قادرة على تقصير حتى المسافات التاريخية بين الشيعة والسنة، وعلى
تخفيف الخلافات السياسية والانتقادات التي قد يمثلها مشهد بملايين الأشخاص.
وفي الواقع، لا يوجد في ترحيب العراقيين أي تمييز
بين الحجاج والسياح القادمين من كل قارة.
لذا فهي تأكيد إضافي على الجذور الحضارية العميقة
للعراق، الذي لا يزال يمثل مركزاً للحوار بين الأديان في تلك البقعة من الأرض التي
شهدت نشوء الآشوريين والبابليين والسومريين.
تُعرِّف مسيرة الأربعين البلاد بوصفها وجهة
سياحية عالمية جديدة، بقدرة استيعابية وترحيبية تفوق كل تصوّر. دولة منفتحة
وودودة، مستعدة للابتكار وتقديم تقاليدها مع أكثر من 15,000 موقع أثري وفنها
العريق. وجهة جديدة للسياحة الدينية والثقافية.
أهلاً بكم في العراق.