كل عام، يسافر الملايين إلى مدينة كربلاء المقدسة في العراق لإحياء ذكرى الأربعين، وهي مناسبة تصادف مرور أربعين يوماً على عاشوراء، اليوم الذي استشهد فيه حفيد النبي الكريم الإمام الحسين عام 680 ميلادي. وتتمثل هذه الزيارة في المسير ما يقارب 80 كيلومتراً من النجف إلى كربلاء، وهي تجسيد لمبادئ العدالة الاجتماعية والكرامة والرحمة. وقد تجاوز العدد الرسمي للزوار خلال الفترة التي امتدت عشرة أيام 22 مليون شخص في السادس من سبتمبر 2023، مما جعلها أكبر تجمع بشري سلمي في العالم. وقد حضر مراسم إحياء الذكرى مسلمون شيعة في معظمهم، فضلاً عن كثير من المسلمين السنة والمسيحيين الذين جاؤوا أيضاً لتقديم تعازيهم للإمام الحسين. وفيما يلي استعراض لكيفية إسهام زيارة الأربعين في مكافحة الفقر.
الضيافة والكرم في مواجهة الفقر
من أجمل ما يميز زيارة الأربعين الضيافة الرحبة التي يقدمها المشاركون لجميع الناس على اختلافهم. إذ يوفر المشاركون الماء والطعام والمأوى ووسائل النقل للزوار مجاناً بصرف النظر عن أعمارهم أو أعراقهم أو أديانهم. وعلى طول مسار المشي من النجف إلى كربلاء، تنتشر آلاف منافذ الطعام والمشروبات مع أماكن للراحة والرعاية الطبية، أُعدَّت لخدمة جميع المارة. وقد سجّلت إحدى الموائد رقماً قياسياً عالمياً بوصفها أطول مائدة طعام في العالم.
تقرير اليونيسف لعام 2020
أفادت اليونيسف بأن 4.5 مليون عراقي باتوا دون خط الفقر لأسباب اجتماعية واقتصادية ومرتبطة بجائحة كوفيد. والعراق، الذي يبلغ معدل الفقر فيه 31.7%، لا يزال يفسح المجال كل عام لملايين الزوار لإحياء ذكرى عزاء آل النبي، وفي هذا السياق يوفر الاستقرار والضيافة للكثير من العراقيين الذين يعجزون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية. وقد دفع هذا الكرم الواسع أحد الزوار إلى القول بأنه يجعله "يرغب في رد الجميل". ويُسهم هذا الحدث في مساعدة من لا يملكون الوصول إلى الضروريات الإنسانية الأساسية كالطعام والماء والمأوى، ويُعين على مكافحة الفقر.
مساعدة الفقراء حول العالم في موسم الأربعين
خلال موسم الأربعين، تنشط عدة منظمات مستقلة داخل العراق وخارجه في مكافحة الفقر. فعلى سبيل المثال، تعمل جمعية "من هو الحسين"، وهي حركة شعبية للعدالة الاجتماعية، على خمس قارات لمساعدة الفقراء في الحصول على الطعام والكساء. وقد جمعت هذه المنظمة ما يقارب 50,000 وحدة دم، وأنقذت أكثر من 140,000 حياة، وأطعمت ما يزيد على 700,000 شخص. وخلال موسم الأربعين، تنفذ فرقها مبادرات تطوعية حول العالم كالتبرع بالدم إلى جانب توزيع الطعام والشراب والكمامات على المواطنين، وذلك في دول من بينها "الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وباكستان ولبنان فضلاً عن مدن ودول أفريقية تعاني من الفقر".
نظرة إلى الأمام
على الرغم من سنوات الحرب والمعاناة الطويلة التي مرّ بها العراق، تكشف زيارة الأربعين كل عام عن أجمل ما يزخر به هذا البلد، مجسِّدةً صموده وكرمه أمام العالم. وتمتد ضيافة الأربعين لتشمل من لا يجدون مأوى يأوون إليه ليلاً أو وجبة دافئة ينتظرونهم في بيوتهم، لتمنح الأمل للعراقيين وللإنسانية جمعاء.
بقلم: أمبر حامد المصدر: مشروع بورغن