توافد ما يصل إلى 21.5 مليون شخص على ضريح الإمام الحسين بن علي، الإمام الثالث في التاريخ الشيعي، لأداء زيارة الأربعين السنوية من النجف إلى كربلاء، جنوب غرب بغداد.
كنت ضمن وفد مؤلف من ستة أشخاص من بريطانيا دُعينا لمشاهدة هذا الحدث الذي يمتد لعدة أيام، ويبلغ ذروته يوم الأحد، في تاريخ يُحدَّد وفق التقويم القمري.
تأتي كلمة "أربعين" من العربية وتعني اليوم الأربعين، وتُحيي ذكرى مرور أربعين يومًا على استشهاد الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، الذي قُتل في معركة كربلاء عام 680م. وكان قد رفض الاعتراف بالنظام الفاسد للطاغية يزيد، فاستشهد ودُفن في المدينة.
زيارة الأربعين هي أكبر حدث سنوي على وجه الأرض. ويصعب تخيّل جيش من الزوار أكثر تفانيًا من هذا — إذ تُقدَّر نسبة المسلمين الشيعة بـ95 بالمئة من المجموع، فيما يُشارك أيضًا مسلمون سنة وأتباع ديانات أخرى.
يختار معظمهم الانضمام إلى القافلة البشرية الماشية على الأقدام لمسافة 80 كيلومترًا من النجف، حيث يرقد كثير من الأنبياء، إلى كربلاء، وسط حرارة لاهبة بلغت 48 درجة مئوية في أحد أيام هذه الزيارة، لتكون بذلك من أشد بقاع الأرض حرارة. وتستغرق الرحلة ثلاثة أيام.
ويأتي آخرون من مسافات أبعد بكثير؛ إذ وصل وفد مؤلف من نحو مئة شخص من إيران قادمًا من أستراليا قبل شهر كامل، ليقطع آخر 1000 كيلومتر على الأقدام.
والهدف هو الوصول إلى الضريح الشامخ للإمام الحسين في كربلاء، وهو قبر محاط بهيكل متعدد الأضلاع يقوم في صحن يضاهي مساحته ملعب كرة قدم، تزيّنه المرايا والأضواء الساطعة والثريات الضخمة في الليل.
وعليك أن تتحلى بصبر كبير للاقتراب من الضريح. يلمسه الزوار ويصلّون ويبكون. وكان الضريح في السابق أكثر تواضعًا في حجمه، غير أنه توسّع توسعًا هائلًا على مرّ السنين لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار.
كربلاء مدينة نابضة بالحياة يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة، وإن كان هذا العدد قد ارتفع إلى 21.5 مليون خلال موسم الزيارة هذا العام. وتتصاعد الأعداد باطّراد، إذ ارتفعت بنسبة 50 بالمئة منذ عام 2020، وذلك وفق بيانات موثّقة إلكترونيًا من قِبل الجهات المختصة.
يفتح معظم سكان المدينة أبواب منازلهم أمام الزوار؛ وقد سمعت عن عائلة استضافت ما يصل إلى 50 ضيفًا. وإلى جانب ذلك، تُنصب على جانبي الطرق مظلات بسيطة تتسع لنحو 50 شخصًا، فضلًا عن مناطق أكثر تنظيمًا بحجم أحظر الطائرات مخصصة للمبيت. وكل هذا يُقدَّم مجانًا دون مقابل.
وإلى جانب ذلك، تتوفر فنادق كثيرة ومطار ومحطة قطار. وفي محيط الضريح، تُغلق الطرق أمام حركة السيارات، فيضطر الجميع في نهاية المطاف إلى قطع المسافة الأخيرة مشيًا على الأقدام.
الضريح مفتوح أمام الزوار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ونظرًا لشدة الحرارة، يُفضّل كثيرون النوم نهارًا وزيارة الضريح ليلًا، فتظل الحشود في حركة دائمة.
كنت ضمن وفد بريطاني صغير من ممارسي الحوار بين الأديان وخبراء في الشأن الإسلامي المسيحي، وقضيت ثلاثة أيام في مدينة كربلاء تحت وطأة الحر الشديد.
يصعب استيعاب هذا الحجم الهائل من البشر، مع الدهشة من هذا الإنجاز المعجز المتمثل في تجمّع كل هؤلاء بكثافة شديدة في بنية تحتية لا تبدو كافية.
ليست هذه روحانيتي ولا ثقافتي، غير أن ثمة الكثير مما يستحق الإعجاب، ولعل أبرزه أن غالبية الحراس المرابطين عند مداخل المنطقة المحيطة بالضريح يحملون عصيًا مطاطية بدلًا من الهراوات أو الأسلحة النارية؛ وإن وُجدت فهي نادرة وبعيدة عن الأضواء.
اتخذت الحكومة إجراءات أمنية لحماية مسار الزيارة والمدينة ذاتها، ولم تُسجَّل مخاوف أمنية تُذكر، وأكد المتحدث الرسمي أن قوات الأمن تُحكم سيطرتها على البلاد.
لكن ربما أكثر ما يلفت النظر، إلى جانب الحر الخانق والضجيج المتواصل ليلًا ونهارًا، هو أنه خارج الفندق لم يطلب منك أحد أي مال مقابل أي شيء.
كل شيء لا يقتصر على كونه مجانيًا، بل يُقدَّم باستمرار على يد أشخاص من مختلف الأعمار وعلى وجوههم ابتسامات — ماء بارد في أكواب بلاستيكية مغلقة ومشروبات متنوعة، فضلًا عن أطباق شهية ووجبات ساخنة من كثير من المحطات، من بينها كباب ضخم يزن كل لفة منه ما يُعادل عشرين ألف وجبة يومية.
ولا يقتصر الأمر على الطعام والشراب؛ إذ تتوفر الرعاية الطبية والأسنانية مجانًا، وتدليك الكتفين، وخدمات الغسيل المجانية، وشباب يلوّحون بلوحات كرتونية ضخمة لتلطيف الجو حين تمر بجوارهم.
لا أحد يريد شيئًا منك، بل يبدو أن الجميع يريدون أن يعطوك بسخاء. كثير من الشيعة يدّخرون رواتبهم طوال العام ليتمكنوا من العطاء لغرباء لا يعرفونهم على هذا النحو كل عام. وحتى بوصفي أجنبيًا واضحًا وغير مسلم، لم أشعر في أي لحظة بأنني في خطر.
كنموذج على قدرة البشر على التكافل والتعايش، فإن هذا الحدث لا مثيل له حقًا. يحظى كبار السن وذوو الإعاقات، بمن فيهم كثير من قدامى المحاربين، باهتمام خاص ومساحة مناسبة، كما أن الأطفال الرضّع جزء من هذه التجربة. جميع الأجيال حاضرة هنا، مع تركيز خاص على الشباب، حيث تبرز الفئة العمرية بين 14 و25 عامًا بوصفها الأكثر حضورًا والأشد التزامًا دينيًا على ما يبدو.
هذا الحدث الاستثنائي محفوظ عبر القرون رغم النزاعات المتواصلة والقمع الوحشي لصدام حسين وشتى أعمال الإرهاب.
لا يزال العراق في مرحلة إعادة البناء في أعقاب الحروب المتعاقبة والجرائم التي اقتُرفت فيه، وهو يبدو واضحًا في احتفائه باسترداد قدرته على التعبير عن هويته الإسلامية الشيعية بعد محاولات صدام اجتثاثها. ويُقال إن التركيبة السكانية في العراق تتوزع بين 55 بالمئة شيعة و42 بالمئة سنة.
يسّرت رحلة الوفد البريطاني هيئة الإعلام والاتصالات في العراق، وهي هيئة مستقلة غير تابعة لأي جهة حكومية، وتُعلن أن هدفها تطوير الإعلام والاتصالات في العراق وفق معايير تنظيمية. وتشير الهيئة إلى أن هذا العام شهد تمثيل 3615 صحفيًا و101 قناة تلفزيونية و61 محطة إذاعية في تغطية الزيارة.
ومن أبرز المخاوف التي أثارها الصحفيون مسألة الاستدامة البيئية لزيارة الأربعين في المستقبل. إذ يتوقع العلماء أن الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة سيُشكّل مخاطر صحية أعلى على الزوار أثناء المسير.
وثمة مخاوف من منظمات بيئية تتعلق بالتخلص من النفايات على طول مسار الزيارة، والحاجة الحتمية إلى توفير المياه الضرورية للزوار في حاويات بلاستيكية، في ظل غياب شبكة مياه صالحة للشرب.
كانت هذه القضايا محور اجتماع جمع مؤخرًا مسؤولين حكوميين من العراق وإيران، التي يمثّل الشيعة 95 بالمئة من سكانها، وقد شارك منها نحو ثلاثة ملايين شخص في الزيارة العام الماضي.
وفي إطار الاستعداد لهذا العام، تشير التقارير إلى أن مسؤولين من البلدين اجتمعوا للتنسيق بشأن تشغيل المنافذ الحدودية والتعامل مع المخاوف البيئية، حيث عرضت طهران المساعدة في إنشاء مساحات خضراء مشتركة وتنفيذ مشاريع لإدارة النفايات في كربلاء.
المصدر: مركز إعلام الأديان